ابن أبي الحديد
32
شرح نهج البلاغة
وكرهت أي لا تمكنها من الاسترسال في الشهوات وكن أميرا عليها ، ومسيطرا وقامعا لها من التهور والانهماك . فإن قلت : هذا معنى قوله : " فيما أحبت " ، فما معنى قوله : " وكرهت " ؟ قلت : لأنها تكره الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات الشرعية ومن الواجبات العقلية وكما يجب أن يكون الانسان مهيمنا عليها في طرف الفعل يجب أن يكون مهيمنا عليها في طرف الترك . * * * الأصل : وأشعر قلبك الرحمة للرعية ، والمحبة لهم ، واللطف بهم ، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم ، فإنهم صنفان : إما أخ لك في الدين ، وإما نظير لك في الخلق ، يفرط منهم الزلل ، وتعرض لهم العلل ، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ ، فأعطهم من عفوك وصفحك ، مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه ، فإنك فوقهم ، ووالي الامر عليك فوقك ، والله فوق من ولاك ، وقد استكفاك أمرهم ، وابتلاك بهم . ولا تنصبن نفسك لحرب الله ، فإنه لا يدي لك بنقمته ، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته . ولا تندمن على عفو ، ولا تبجحن بعقوبة ، ولا تسرعن إلى بادرة وجدت عنها مندوحة . ولا تقولن إني مؤمر آمر فأطاع ، فإن ذلك إدغال في القلب ، ومنهكة للدين ، وتقرب من الغير .